التجارة في الإسلام - أبو حاتم السالمي

قسم خاص بتفريغ خطب و محاضرات علماء و مشايخ أهل السنة

المشرف: محمد عادل أبو زيد

أبو حاتم السالمي
مشاركات: 42
اشترك في: الاثنين يناير 18, 2016 11:38 pm

التجارة في الإسلام - أبو حاتم السالمي

مشاركةبواسطة أبو حاتم السالمي » الأربعاء مارس 02, 2016 1:13 am


الله عز وجل قد تكفل بأرزاق العباد وحدّدها من قبل أن يخرجوا للحياة في هذه الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتْبِ رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ). وأمرهم بالسعي لطلب الرزق فقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ثم طمأنهم بأن هذا الرزق مكفول لهم, فعَنْ ابن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِيَ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ ، فَإِنَّ اللهَ لا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلا بِطَاعَتِهِ ).
فلا يحملنكم حبُ المال والطمعُ فيه أن تطلبوه من غير حله؛ فإن المؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه، وكفاه بفضله عمن سواه. والكسب الحلال يبارك الله فيه وإن كان قليلا، فينمو ويكون عونا لصاحبه على طاعة ربه، والمال الحرام يمحق الله بركته وإن كان كثيرا، فلا ينتفع به صاحبه وإن بقي في يده، بل قد يسلط الله عليه من يتلفه.
وقد رغب نبينا صلوات الله وسلامه عليه في اكتساب الحلال، ورهب وحذر منَ اكتساب الحرام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ))، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، ((فأنى يستجاب لذلك؟!)). وفي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).
ومن طرق الكسب الحلال التي أباحها الإسلام: التجارة، قال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا). وسئل صلى الله عليه وسلم: (أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) خرجه البزار وصححه الحاكم .
والبيع الذي أباحه الله تعالى هو البيع الذي يحصل به تبادل المنافع بين الناس من غير ضرر يلحق بأحد منهم. فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).
وقد بين الله في كتابه ونبينا صلوات الله وسلامه عليه في سنته أحكام البيع والشراء، وجعل لها آدابا وأخلاقا يجب على المسلم التاجر أن يتحلى بها، ومن هذه الأخلاق:
1 - الصدق والأمانة في البيع والشراء: فالصدق والأمانة صفتان من صفات المؤمن بوجه عام، يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ، وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال الرَّجل يصدق، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكْتَب عند الله صدِّيقًا. وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجُور، وإنَّ الفُجُور يهدي إلى النَّار، وما يزال الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذَّابًا) وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، وقال : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).. وإذا كان الصدق والأمانة صفتين ينبغي أن تتوفرا في كل مؤمن على العموم فإنها ينبغي أن تتوفرا في أهل التجارة على وجه الخصوص: قال : (التاجر الأمين الصدُوق مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي، وفي الصحيحين: (فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا مُحقت بركة بيعهما). تَاجَرَ صلى الله عليه وسلم فَعُرِفَ بِالصِّدقِ والأَمَانَةِ، ونَهَى عَنِ الاستِغْلاَلِ والجَشَعِ والخِيانَةِ.
والصدق والأمانة كما أنهما مطلوبان مع المسلمين فهما مطلوبان مع غير المسلمين؛ ولذا لما صدق المسلمون في بيوعهم وسائر تعاملاتهم مع أهل الكفر في ديارهم دخل كثير منهم في دين الله أفواجًا. وإلا فكيف انتشر الإسلام في آسيا وغيرها من دول الشرق؟!
والكذب والخيانة صفتان من صفات المنافقين. ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ). وعن أنس قال: (قلَّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) (صحيح الجامع). وكان النبي يدعو ربه قائلا: (اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك مِن الجوع فإنَّه بئسَ الضَّجيع، وأعوذ بك مِن الخيانة فإنَّها بئسَ البطانة) (صحيح الجامع). فالجوع ضياع الدُّنْيا, والخيانة ضياع الدِّين. فحري بكل تاجر أن يكون صادقا أمينا في بيعه وشرائه وجميع معاملاته.
2 – ومن الضوابط التي وضعها الإسلام في المعاملات: حرمة الغش أو التدليس: فالغش صناعة لا يحسنها إلا المنافق, فهو مظهر من مظاهر الكذب, والكذب أمارة من أمارات النفاق. والغش خيانة وخداع, وصاحبه ليس على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ولا على هديه. (من غشنا فليس منا) (رواه مسلم) إنه إعلان حرب من النبي على أصحاب الضمائر الفاسدة التي لا تراقب ربها سرا ولا علانية, وتحذير لكل من تسول له نفسه بأكل أموال الناس بالباطل.
والمسلم مطالب بالتزام الصدق في كل شؤونه، لاسيما إذا كان تاجرا يريد البركة في رزقه قال صلى الله عليه وسلم: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما). ومرّ رسول الله برجل يبيع طعامًا فأعجبه ظاهرُه، فأدخل يده فيه فرأى بللاً، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) قال: أصابته السماء يا رسول الله. أي: المطر، فقال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشنا فليس منا). (رواه مسلم)
إن الإيمان الصحيح الكامل يلزمنا الصدق والنصح، وفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). وعلى التاجر الصدوق أن يناصح أخاه فإن النصيحة في الدين أغلى من كل مكسب، كما قال النبي: (الدين النصيحة) وأن يبين لأخيه العيب في السلعة إن كان بها عيبٌ، قال النبي: (المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعا فيه عيب أن لا يبينه). (صحيح الترغيب والترهيب) فإذا أردت أن تبيع شيئا فيجب عليك أن تبين ما به من عيب، وإلا محقت بركة هذا البيع وصار إلى خسران.
3 – ومن الضوابط التي وضعها الإسلام في البيع والشراء: حرمة التطفيف في الكيل والميزان: فإذا أخذت من الناس طففت واستوفيت, وإذا أعطيتهم أنقصت وأخسرت. والتطفيف في الكيل والميزان من الكبائر التي تهوي بصاحبها في النار. (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
ولقد حذر نبي الله شعيب قومه من بخس الناس أشيائهم والتطفيفِ في الكيل والميزان. (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
4 - ومن الضوابط التي وضعها الإسلام في البيع والشراء: التسامح والتساهل في البيع والشراء وسائر التعاملات: قال : (رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى). فهذا دُعاءٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ جَعَلَ السَّماحَةَ خُلُقاً أَصِيلاً مِنْ أَخْلاَقِهِ. ويتمثل هذا التسامح في صور كثيرة، منها تأجيل المدين المعسر، فإن الله جل وعلا يقول: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ . وروى مسلم عن رسول الله أنه قال: ((أُتي بعبد من عباد الله آتاه الله مالاً، فقال له الله: ماذا عملت به في الدنيا؟ قال: يا رب، آتيتني مالاً، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسِّر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحق به منك، تجاوزوا عن عبدي)).
ومن ذلك إقالة البيع، أي: الاستجابة إلى فسخه إذا رغب المشتري ذلك؛ لظهور عدم احتياجه للمعقود عليه، قال : ((من أقال مسلمًا أقال الله عثرته)) رواه أبو داود وابن ماجه وسنده صحيح. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا . ***********************************
إن من عظائم الذنوب التي ترتكب في التجارة: الحلف الكاذب من أجل البيع، فيحلف البائع للمشتري بأنها كذا وكذا وهو كاذب، قال صلى الله عليه وسلم: (اليمين الفاجرة مُنفقة للسلعة مُمحقة للكسب)، وقال يوما لأصحابه: (إن التجار هم الفجار)، قالوا: يا رسول الله، أليس قد أحل الله البيع؟! قال: (بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون). (صحيح الترغيب والترهيب)
كذلك من عظائم الذنوب احتكار السلع ليرتفع ثمنها. لا تحتكروا على المسلمين طعامهم, (فإنه لا يحتكر إلا خاطئ) (مسلم) يعني آثم. فالاحتكار فيه تضييق على الناس ويسبب العداوة والبغضاء في المجتمع. بل يؤدي إلى تفكك المجتمع كله وذلك بانتشار السرقة والغش. وليعلم المحتكر أن الربح الزائد الذي يجنيه من هذا الاستغلال إنما هو حرام لا ينفعه بشيء. فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم، وتحروا الحلال واجتنبوا الحرام، فإنكم مسؤولون يوم القيامة عن المال سؤالين: من أين حصلت عليه؟ وفيم أنفقته؟ فأعدوا للسؤال جوابا. واعلموا أن المال الحرام لا ينتفع به صاحبه أبدا، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. وإنه لا يربُو لحمٌ نبَتَ من سُحْتٍ إلا كانت النارُ أوْلَى به.

العودة إلى “قسم تفريغات المحاضرات و الخطب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد