الإصلاح منهج الأنبياء - أبو حاتم السالمي

قسم خاص بتفريغ خطب و محاضرات علماء و مشايخ أهل السنة

المشرف: محمد عادل أبو زيد

أبو حاتم السالمي
مشاركات: 42
اشترك في: الاثنين يناير 18, 2016 11:38 pm

الإصلاح منهج الأنبياء - أبو حاتم السالمي

مشاركةبواسطة أبو حاتم السالمي » الأربعاء مارس 02, 2016 1:11 am

إن الله عز وجل لم يخلقنا في هذه الدنيا لنلهو ونلعب ونتكاثر في الأموال والأولاد. وإنما خلق الخلق ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". والله تعالى حين أخبر أنه مستخلف بشرًا في الأرض خافت الملائكة من فساد البشر. فقالوا "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا" ، فأجابهم الله تعالى بقوله "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
وقد جعل الله سبحانه وتعالى الإصلاح منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. فشعيب عليه السلام يقول لقومه: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت", وأوصى موسى أخاه هارون فقال: "اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين",
كما أخبر ربنا جل وعلا أنه لا يحب الفساد وأنه لا يحب المفسدين, كما نهانا عن اتباع المفسدين فقال: "ولا تتبع سبيل المفسدين", وقال: "ولا تطيعوا امر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون".
وبين سبحانه وتعالى الفارق الكبير بين أهل الإصلاح والإفساد فقال: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"
وأخبر سبحانه أن فساد العباد فساد لجميع البلاد فقال : "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
ودعانا ربنا جل وعلا إلى الاتعاظ بأحوال الأمم السابقة وما حدث لهم بسبب إفسادهم في الأرض فقال: "فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" وقال عن فرعون: "فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد".
ثم إن الله تعالى بعث نبيه محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله, بعثه على حين فترة من الرسل, والأرض مليئة بالفساد في كل الشئون. بعثه الله في قوم يعيشون في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء لا يعرفون حقا من باطل ولا هدى من ضلال لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا حتى استقرت هذه الضلالة في نفوسهم. فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فهدى الله به من الضلالة إلى الهدى وبصر به من العمى وجمع به القلوب بعد شتاتها وأصلح به الأرض بعد فسادها.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين يسيرون على طريقه هم أهل الإصلاح. فقال صلى الله عليه وسلم: "بَدأَ الإِسْلاَمُ غَريباً، ثُمَّ يَعُودُ غَريباً كَمَا بَدَأَ، فَطُوبى للغُرباء. قِيلَ يَا رسولَ الله! وَمَن الْغُرَباء؟ قَالَ: الّذينَ يُصْلحون ما أفسد الناس من سنتي". رواه الترمذي بسند حسن
فدعوة جميع الرسل دعوة إلى الإصلاح. وإننا إذا أردنا النهوض بهذه الأمة وإنقاذها مما هي فيه من الهوان فعلينا أن نستوعب منهج الأنبياء في الإصلاح، وكيف دعوا أقوامهم إلى الفلاح بعد أن كانوا مختلفين: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾
وأول طرق الإصلاح: تحقيق التوحيد الخالص لله رب العالمين: فكل نبي أرسل إلى قومه دعاهم فقال: "يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" , "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون".
فأي دعوة لا تقوم على التوحيد فهي دعوة فاشلة وإلى زوال. فنبيكم صلى الله عليه وسلم ظل عشر سنين في مكة يدعو إلى توحيد الله جل وعلا . ما دعا إلى صلاة ولا إلى زكاة ولا إلى صوم ولا إلى حج ولا إلى عمرة ولا إلى جهاد وأصحابه من حوله يعذبون يقتلون يشردون وهو ما زاد في دعوته على : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". أخذ على هذا عشر سنين. وبعد العشر عرج به إلى السماء فتفرض عليه الصلوات الخمس فيأمر قومه إلى التوحيد وإلى الصلاة. ثم يهاجر من مكة إلى المدينة وتفرض عليه بقية شرائع الدين فيدعو الناس إلى توحيد الله وإلى الصلاة وإلى بقية شرائع الدين فإن التوحيد ينتقل به ولا ينتقل منه. فيرسل معاذا إلى أهل اليمن فيقول له: يامعاذ إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله).
حتى وهو على فراش الموت يعالج سكرات الموت يحذر من الشرك ويدعو إلى التوحيد فيقول: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا تتخذوا قبري وثنا يعبد".
فالتوحيد هو منطلق دعوة إبراهيم عليه السلام "إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين". استسلام لله بالتوحيد .. وانقياد له بالطاعة .. وبراءة من الشرك وأهله. "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".
ومن طرق الإصلاح: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمة إذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هلكت كما ذكر الله تعالى لنا في قصة بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت ونهاهم الصالحون عن عدوانهم فلم يمتثلوا, وسكت جماعة من الصالحين وقالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون". قال الله جل وعلا : "فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون". فلم ينج إلا الذين أنكروا المنكر.
فلا نجاة لهذه الأمة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها – وكان الذين في الأسفل إذا أرادوا الماء مروا بمن فوقهم – فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا نأخذ منه الماء ولا نؤذي من فوقنا! فإذا أخذ الذين هم في أعلى السفينة على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا. ولو تركوهم لهلكوا وهلكوا جميعا. فأهل البدع والمعاصي والفجور والشهوات لو تركوا لأهلكوا الأمة . فلابد أن يبين لهم أهل العلم والدين الحق من الباطل حتى ينجو المجتمع كله. "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب".
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث حذيفة رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" رواه الترمذي وقال حديث حسن
الأمر بالمعروف واجب على كل إنسان .. كل حسب قدرته "من راى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
والتغيير باليد لا يكون إلا لولي الأمر .. والتغيير باللسان يكون لأهل العلم .. والتغيير بالقلب يكون لعموم الناس ممن ليس له قدرة ولا علم. "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

إن من أعظم عوامل الإصلاح الذي دعت إليه الرسل: أن تتفق الأمة وأن تتوحد. قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .......تهتدون". وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة. فبعث رجلا وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث . فلم يزل ذلك الرجل بهم حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض وحملوا السلاح وتواعدوا إلى الحرة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم وهو محمر وجهه وقال : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة" وتلا هذه الآية . فبكوا وندموا وألقوا السلاح وتعانقوا. فالتحزب نتن ودعوى جاهلية.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التفرق فقال: اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة واختلفت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يارسول الله ؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
قال رب العزة جل وعلا: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". فهي أمة واحدة .. دينهم واحد .. وربهم واحد .. ونبيهم واحد .. وكتابهم واحد .. وصراطهم واحد .. وقبلتهم واحدة. فأمة الإسلام أمة واحدة فلا جماعات ولا أحزاب ولا شيع ولا طوائف ولا فرق ولا اتباع لسنة فرعون عليه لعنة الله. "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم".
وكان نتيجة هذا التفرق أن ضعفت الأمة وتكالب عليها أعداؤها " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أو مِن قلة نحن يومئذ يارسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا: يا رسول الله وما الوهن ؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت».
إنك لو نظرت إلى العالم من حولك فلن تجد أمة مستباحة إلا أمة الإسلام, ولن تجد أمة مهانة إلا أمة الإسلام .. يقتل أبناؤها وتسبى نساؤها وتنتهك حرماتها وتسفك دماؤها وتزهق أرواحها.. وكل هذا بسبب بعدها عن دين ربها.
إن المسلمين الأول ما كانوا ينتصرون في معركة يخوضونها بكثرة عدد ولا بقوة سلاح وإنما بقوة الإيمان .. ولولا بقايا منه ما كان لهذه الأمة وجود على وجه الأرض.
ولن يرجع لهذه الأمة مجدها ولا عزها ولا التمكين لها إلا إذا عادت وتمسكت بدين ربها ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد ورضيتم بالزرع سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم".

العودة إلى “قسم تفريغات المحاضرات و الخطب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران