وقفة مع النفس - أبو حاتم السالمي

قسم خاص بتفريغ خطب و محاضرات علماء و مشايخ أهل السنة

المشرف: محمد عادل أبو زيد

أبو حاتم السالمي
مشاركات: 42
اشترك في: الاثنين يناير 18, 2016 11:38 pm

وقفة مع النفس - أبو حاتم السالمي

مشاركةبواسطة أبو حاتم السالمي » الأربعاء مارس 02, 2016 1:12 am


ما من عمل يعمله الإنسان إلا وسيحاسبه الله عليه ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾.
فكل حركة ، وكل سكنة , العبد مسئول عنها يوم القيامة ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إن خيرا فخير, وإن شرا فشر (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
وقال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فهذه الآيةُ أَصْلٌ في محاسبةِ العبد نفسه.
فهل خلوت بنفسك ياعبد الله يوماً فحاسبتها عما بدر منها من أقوال وأفعال؟ وهل حاولت يوماً أن تعد سيئاتك كما تعد حسناتك؟

إن محاسبة النفس من أعظم الطرق الموصلة إلى الله تعالى وسبب سعادة المؤمنين في الدنيا والآخرة. لذا يقول عمر رضي الله عنه: (حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوا أنفسكم قبلَ أن تُوزَنوا، فإنّه أهوَنُ عليكم في الحساب غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ).
واعلموا عباد الله! أنَّ نَفْسَ الإنسانِ تَدْعُوهُ إلى الطُّغيان وإيثار الحياةِ الدُّنيا على الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، وقال جلَّ شأنُهُ: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾، هذه النَّفْسُ الّتي قال اللهُ عنها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ هذه النّفسُ تأمرُ صاحِبَهَا بالسُّوءِ، وتَدْعُوهُ إلى اتِّباعِ هَوَاها، فإنْ وَافَقهَا وأَطَاعَهَا قَادَتْه إلى الهلاكِ والخُسْرَان، فعَلَيْكَ أن تُحاسِبَ هذه النَّفس، وأن تُلْزِمَهَا وتَحْمِلَهَا على طاعةِ ربك، وعَلَيْكَ أن تُخالِفَهَا مَتَى دَعَتْكَ إلى اتِّباعِ هَوَاهَا، بهذا تَنْجُو وتَرْبَح.
ولقد مدح الله تعالى أهل طاعته بقوله: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) تقول عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون، ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) [الترمذي وابن ماجه واحمد]
هكذا كان سلفنا الصالح، يتقربون إلى الله بالطاعات، ويسارعون إليه بأنواع القربات، ويحاسبون أنفسهم على الزلات، ثم يخافون ألا يتقبل الله أعمالهم.
إنّ المؤمنَ قوَّامٌ عَلى نَفْسه للهِ جل وعلا .. ما تَرَاهُ إلاَّ يَلُومُ نفسَهُ على كلِّ حالاته .. يَرَاهَا دائمًا مُقصِّرةً في كلّ ما يفعل .. فَيَنْدَمُ ويَلُومُ نَفْسَهُ ويحاسبها. وإنَّ الفاجرَ لَيَمْضِي قُدُمًا لا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ .. وإنّما يَخفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ في الدُّنْيَا، ويشقَّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامِةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيرِ مُحاسبةٍ.
إن النفس وإن كانت تدعو إلى الشر, فإن لله واعظا في قلب كل مسلم يدعوه إلى الخير. فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيها أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يدعو يقول: يا أيها الناس!! اسلكوا الصراط جمييعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو على الصراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط: الإسلام. والستور: حدود الله. والأبواب المفتحة: محارم الله. والداعي من فوق: واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم) [أحمد والحاكم وصححه الألباني].
فهلا استجبت أخي المسلم لواعظ الله في قلبك؟ وهلا حفظت حدود الله ومحارمه؟ وهلا انتصرت على عدو الله وعدوك، (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونا من أصحاب السعير).
وصح عن خالد بن معدان رضي الله عنه أنه قال: ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً، فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد به غير ذلك، تركه على ما فيه. ثم قرأ (أم على قلوب أقفالها).
لقد حث الله عباده المؤمنين على محاسبة أنفسهم ومعاتبتها على تقصيرها وتفريطها في حق الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ).
ومن ثم يجب على كل مسلم أن يقف مع نفسه ولو للحظات ليسأل نفسه ماذا قدَّم للقاء ربه. لقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : لا شيء ، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ . قَالَ : فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ "
فحاسب نفسك ياعبد الله حتى يُخَفَّفَ عنك حساب الآخرة: يقول عليه الصلاة والسلام: (من نُوقش الحساب عُذّب) فقالت عائشة رضي الله عنها: أو ليس الله تعالى يقول: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا) ؟ فقال: (ليس ذلك بالحساب إنما ذلك العرض، من نُوقش الحساب عُذّب). (يدني الله تعالى المؤمن يوم القيامة فيضع عليه كنفه (أي ستره عن أعين الخلق) فيقرره بذنوبه: أتعرف ذنب كذا في يوم كذا؟ فيقول: أعرف، فيقول الله عز وجل: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك فيعطى صحيفة حسناته وأما الكافر والمنافق فينادى عليه على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين).
حاسب نفسك فالشهود يوم القيامة كثر: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ), (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون), (يومئذ تحدث أخبارها . قيل: يا رسول الله ما أخبارها؟ قال: (أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا).
******************************************************
اعلم أن محاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل ونوع بعده.
فمحاسبة النفس قبل العمل: أن يقف العبد عند أول إرادته، ولا يخطو خطوة حتى ينظر أهي في مرضاة الله أم في معصيته. فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.
ومحاسبة النفس بعد العمل: أن ينظر الإنسان في عمله هل ابتغى به وجه الله أم غيره, هل أداه حقا كما ينبغي أم قصر. ثم يستغفر الله على ما مضى من تقصيره, وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) [أحمد عن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ] أتبع السيئة الحسنة ؟.. يعني: تفحص عملك، فإن وجدت أنك أدخلت سيئة في عملك فأتبعه بحسنة, فإن الحسنات يذهبن السيئات.
فحاسب نفسك ياعبد الله في الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ .. قبل أن تقف بين يدي ربك وتحاسب عن مثقال الذرة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداًوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.
«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينطر أشأم مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لم يجد فبكلمة طيبة» . متفق عليه.
فياعباد الله: (َأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ).

العودة إلى “قسم تفريغات المحاضرات و الخطب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد